كسوة الكعبة قبل الإسلام
تعتبر كسوة الكعبة من أهم مظاهر الاهتمام والتشريف والتبجيل للبيت الحرام وإن تاريخ كسوة الكعبة جزء من تاريخ الكعبة نفسها، فعندما رفع إبراهيم وإسماعيل عليهما أفضل الصلاة والسلام قواعد الكعبة المشرفة عاد إبراهيم إلى فلسطين. وذكر أيضاً أن (عدنان بن إد) الجد الأعلى للرسول –صلى الله عليه وسلم- هو أحد من كسوها، ولكن الغالب في الروايات أن (تبع الحميري) ملك اليمن هو أول من كساها كاملة في الجاهلية بعد أن زار مكة ودخلها دخول الطائعين، وهو أول من صنع للكعبة باباً ومفتاحاً. واستمر في كسوة الكعبة فكساها بالخصف، وهي ثياب غلاظ، ثم كساها المعافى ثم كساها الملاء والوصائل، وخلفاؤه كانوا يكسونها بعده بالجلد والقباطي. وبعد تبع كساها الكثيرون في الجاهلية، وكانوا يعتبرون ذلك واجباً من الواجبات الدينية. وكانت الكسوة توضع على الكعبة بعضها فوق بعض، فإذا ما ثقلت أو بليت أزيلت عنها وقسمت أو دفنت، حتى آلت الأمور إلى (قصي بن كلاب) الجد الرابع للرسول –صلى الله عليه وسلم- والذي قام بتنظيمها، بعد أن جمع قبائل قومه تحت لواء واحد. وعرض على القبائل أن يتعاونوا فيما بينهم كل حسب قدرته في كسوة الكعبة، وفي غيرها مثل السقاية. وكانت الكسوة ثمرة الرفادة، وهي المعاونة تشترك فيها القبائل، حتى ظهر أبو ربيعة عبدالله بن عمرو المخزومي، وكان تاجراً ذا مال كثير وثراءٍ واسعٍ، فأشار على قريش أن اكسوا الكعبة، أنا أكسوها سنة، وجميع قريش تكسوها سنة، فوافقت قريش على ذلك، وظل كذلك حتى مات. وأسمته قريش العدل، لأنه عدل بفعله قريشاً كلها. وممن انفردن بكسوة الكعبة المشرفة امرأة تسمى نُتيلة بنت جناب، زوج عبد المطلب وأم العباس، فقد ضاع ابنها العباس، فنذرت لله أن تكسو الكعبة وحدها إذا عاد إليها ابنها الضائع، فعاد فكانت أول امرأة في التاريخ كست الكعبة، وحدها.
في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء
كان من الطبيعي ألا يشارك الرسول صلى الله عليه وسلم في إكساء الكعبة المشرفة قبل الفتح، وذلك لأن المشركين لم يسمحوا له بهذا الأمر، إلى أن تم فتح مكة، فأبقى صلى الله عليه وسلم على كسوة الكعبة، ولم يستبدلها حتى احترقت على يد امرأة تريد تبخيرها. فكساها الرسول صلى الله عليه وسلم، بالثياب اليمانية، ثم كساها الخلفاء الراشدون من بعده، أبو بكر وعمر بالقباطي، وعثمان بن عفان بالقباطي والبرود اليمانية. حيث أمر عامله على اليمن (يعلى بن منبه) بصنعها فكان عثمان أول رجل في الإسلام، يضع على الكعبة كسوتين، أحدهما فوق الأحرى. أما علي (رضي الله عنه) فلم يذكر المؤرخون أنه كسا الكعبة، نظراً لانشغاله بالفتن التي حدثت في عهده. ومن عام الفتح إلى يومنا هذا، انفرد المسلمون بكسوة الكعبة المشرفة.
في عهد بني أمية
الكعبة المشرفة هي قبلة المسلمين في جميع أنحاء العالم قاطبة ، وهي أول بيت وضعه الله للناس على الأرض ، وقد نسبه الله إلى نفسه سبحانه وتعالى. وكسوة الكعبة من أهم مظاهر الاهتمام والتشريف والتبجيل للبيت الحرام ، وتاريخُها جزء من تاريخ الكعبة المشرفة نفسها ، فكسوة الكعبة مذ بناها إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام مرت بأطوار مختلفة ، إذ لم تكن كما نراها الآن ، فهي مرتبطة بعوامل اجتماعية واقتصادية لها صلة بالعصر ، غير أن الوازع المشترك في نية من كسا الكعبة هو التقديس لهذا البيت الحرام ، والتقرب من الله سبحانه وتعالى ، حتى في عصور الشرك قبل الإسلام .فقد كان أهل الجاهلية يكسون الكعبة ، ويحسبون ذلك من أعمال البر ، فقد روى ابن أبي مليكة بإسناد صحيح قال : كانت قريش في الجاهلية ترافد في كسوة الكعبة ، فيضربون ذلك على القبائل بقدر احتمالها من عهد قصي بن كلاب ، حتى نشأ أبو ربيعة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ، وكان يختلف إلى اليمن يتّجر بها ، فأثرى في المال ، فقال لقريش : أنا أكسو وحدي الكعبة سنة ، وجميع قريش سنة ، فكان يفعل ذلك حتى مات ، يأتي بالحبرة الجيدة من الجَنَد ، فيكسوها الكعبة ، فسمته قريش العدل ؛ لأنه عدل فعله بفعل قريش كلها ، فسموه إلى اليوم العدل ، ويقال لولده : بنو العدل .وقول ابن أبي مليكة هذا يدل على أن قريشًا كانت تكسو الكعبة ، وتوارثوا هذا العمل حتى بُعث النبي ? والكعبة مَكْسُوَّةٌ . والظاهر أن الأمر بقي في صدر الإسلام كما كان في الجاهلية ، إذ بقيت كسوة المشركين على الكعبة المشرفة حتى فَتْح مكة . فعن سعيد بن المسيب قال : ولما كان عام الفتح أتت امرأة تجمر الكعبة فاحترقت ثيابها ، وكانت كسوة المشركين ، فكساها المسلمون بعد ذلك . ومنذ عام الفتح حتى يومنا هذا والمسلمون يتفردون بكسوة الكعبة .ولم يكن للكسوة ترتيب خاص من قبل الدولة وبيت مال المسلمين ، فقد كان الناس يكسونها بما تيسر لهم قطعًا مفرقة من الثياب ، وبدون تقيد بلون خاص، بل حسب ما تيسر لأحدهم ، ولو بجزء وناحية من البيت . وكان الناس في الجاهلية قبل ذلك يتحرون إكساءها يوم عاشوراء . كما جاء عند البخاري وأحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت : كانوا يصومون عاشوراء قبل أن يفرض رمضان ، وكان يومًا تستر فيه الكعبة ، فلما فرض الله رمضان ، قال رسول الله ? : من شاء أن يصومه فليصمه ، ومن شاء أن يتركه فليتركه .قال ابن حجر في فتح الباري تعليقًا على الحديث : ( وكان يومًا تستر فيه الكعبة ) ، يفيد أن الجاهلية كانوا يعظمون الكعبة قديمًا بالستور ، ويقومون بها. وروى الأزرقي عن ابن جريج قال : كانت الكعبة فيما مضى إنما تكسى يوم عاشوراء ، إذا ذهب آخر الحجاج حتى كان بنو هاشم ، فكانوا يعلقون عليها القمص يوم التروية من الديباج ، لأن يرى الناس ذلك عليها بهاء وجمالاً ، فإذا كان يوم عاشوراء علقوا عليها الإزار . واستمر الحال عليه في عهد الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم أجمعين ، فكساها أبو بكر الصديق رضي الله عنه القَبَاطي المصرية ، ثم في خلافة عمر رضي الله عنه كساها أيضًا القَبَاطي ، وأمر أن تكون الكسوة من بيت مال المسلمين ، وقد كانت تحاك في مصر ، وسار على سنته سلفه عثمان بن عفان رضي الله عنه ، إلا أنه كان أول من قرر للكعبة كسوتين الأولى بالديباج يوم التروية والأخرى بالقَبَاطي يوم السابع والعشرين من رمضان . ولم يؤثر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كسا الكعبة ، وما كان ذلك تقصيرًا منه ؛ بل لأنه كان مشغولاً بالحرب التي أجبر على خوضها ، من أجل ضمان وحدة المسلمين ، ومنذ ذلك الحين صارت نفقات الكسوة على الحكومة ، إلا في سنوات معدودات كان يكسوها أفراد من الموسرين ، أو من ذوي المناصب الرفيعة ، أو حكام بعض الدول الإسلامية . وفي عهد بني أمية استمرت كسوة الكعبة من بيت مال المسلمين ، وكانت أيضًا تكسى مرتين في السنة ، إلا أنه تغير موعد كسائها ، فالأولى كانت يوم عاشوراء ، والثانية كانت في آخر رمضان . واستمرت كسوة الكعبة في عهد العباسيين مرتين في السنة ، حتى عهد الخليفة العباسي المأمون ، فقد كسيت الكعبة ثلاث مرات في السنة : الأولى بالديباج الأحمر وتكساها يوم التروية ، والثانية بالقباطي وتكساها غرة رجب ، والثالثة بالديباج الأبيض وتكساها في السابع والعشرين من رمضان . وبدأت تكسى الكعبة بالديباج الأسود منذ كساها الناصر لدين الله أبو العباس أحمد الخليفة العباسي ، واستمرت على لونها هذا إلى يومنا .ثم ما زال ملوك اليمن وملوك مصر يتعاقبون على كسوة الكعبة حتى تفردت مصر بكسوتها ، فقد كانت تأتي من مصر من مال الوقف الذي وقفه الملك الناصر ابن قلاوون على الكسوة منذ سنة (750هـ) ، ثم صارت بعد ذلك ترسل من قبل الحكومة المصرية ، وكلما وقع خلاف بين الحكومة المصرية وبين الحكومة التي تتولى أمر الحجاز امتنعت الحكومة المصرية من إرسال الكسوة، حصل ذلك عدة مرات قبل تولي الملك عبد العزيز رحمه الله الحكم في الحجاز ، وبعد توليه الحكم رحمه الله وفي سنة 1344هـ حدثت حادثة المحمل المصري المشهورة حيث امتنعت مصر عن إرسال الكسوة في سنة 1345هـ ، شعرت بذلك الحكومة السعودية في غرة شهر ذي الحجة ، فصدر الأمر الملكي الكريم بعمل كسوة الكعبة المشرفة لهذه السنة بأسرع ما يمكن وفي أيام معدودة ؛ حتى يتم إكساء الكعبة في العاشر من ذي الحجة ، وبالفعل تم ذلك ، وكانت البداية الميمونة لصنع الكسوة في مكة المكرمة في العهد السعودي الزاهر . أول مصنع للكسوة المشرفة :في مستهل شهر محرم سنة 1346هـ صدر أمر الملك عبد العزيز رحمه الله بإنشاء دار خاصة لصناعة كسوة الكعبة المشرفة في منطقة أجياد في مكة المكرمة، أمام دار وزارة المالية العمومية، وقد تمت عمارة هذه الدار على مساحة(1500)م2، فكانت أول مصنع لحياكة كسوة الكعبة المشرفة بالحجاز منذ كسيت الكعبة في العصر الجاهلي إلى العصر الحالي .وأثناء سير العمل في بناء هذا المصنع كانت الحكومة السعودية تقوم بتوفير الإمكانيات اللازمة للبدء في عمل الكسوة ، من المواد الخام اللازمة كالحرير ومواد الصباغة ، والأنوال التي ينسج عليها القماش ، والفنيين اللازمين . وتم بناء المصنع الجديد من طابق واحد في ستة أشهر . وفي أول رجب من نفس العام 1346هـ، وصل من الهند إلى مكة المكرمة اثنا عشر نولاً يدوياً، وأصناف الحرير المطلوبة، ومواد الصباغة اللازمة ، والعمال، والفنيون اللازمون ، وكان عددهم ستين عاملاً، أربعون منهم من (المعلمين) الذين يجيدون فن التطريز على الأقمشة، وعشرون من العمال المساعدين . وعند حضورهم إلى مكة المكرمة نصبت الأنوال ، ووزعت الأعمال ، وسار العمل على قدم وساق في صنع الكسوة وتطريزها ، حتى تمكنوا من إنجازها في نهاية شهر ذي القعدة عام 1346هـ ، وظلت هذه الدار تصنع الكسوة طوال عشر سنوات ، حتى تم التفاهم بين الحكومتين المصرية والسعودية عام 1355هـ ، فاستأنفت مصر إرسال الكسوة مرة أخرى إلى عام 1381هـ ، إذ حدث خلاف امتنعت على إثره من إرسالها .وفي عام 1382 أعادت الحكومة السعودية فتح مصنع الكسوة وظلت الكسوة تصنع به إلى عام 1397هـ . مصنع الكسوة بأم الجود :في يوم السبت السابع من ربيع الآخر سنة 1397هـ ، تم افتتاح مصنع الكسوة الجديد بأم الجود بمكة المكرمة تحت رعاية صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن عبد العزيز -رحمه الله- ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية آنذاك . وقد ناب عنه في حفل الافتتاح حضرة صاحب السمو الملكي الأمير فواز بن عبد العزيز أمير منطقة مكة المكرمة ورئيس لجنة الحج العليا آنذاك.ويضم هذا المصنع أقسامًا مختلفة لتنفيذ مراحل صناعة الكسوة ، ابتداءً من صباغة غزل الحرير ، ومرورًا بعمليات النسيج ، وعمليات التطريز ، وأخيرًا مرحلة التجميع ، ويضم هذا المصنع حوالي (200 عامل) بالإضافة إلى الجهاز الإداري للمصنع ، بإشراف الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي التي أسند إليها الإشراف على المصنع منذ عام 1414هـ . ودخلت تطورات كثيرة في صناعة النسيج وحياكة الكسوة ، وصار العمل في هذا المصنع أتقن وأجمل مما كان عليه سابقًا . وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز -رحمه الله- لقي المصنع عناية خاصة ، فقد حصل فيه توسُّع كبير ، وتطوير بإدخال الأعمال الميكانيكية التي يمكن الاستغناء بها عن الأعمال اليدوية ، فتم توفير أحدث آلات النسج والحياكة .
كسوة الكعبة في العصر العباسي
اهتم الخلفاء العباسيون بكسوة الكعبة المشرفة اهتماماً بالغاً، لم يسبقهم إليه أحد، نظراً لتطور النسيج والحياكة والصبغ والتلوين والتطريز، مما جعل الخلف يصل إلى ما لم يصل إليه السلف.لذا بحث العباسيون عن خير بلد تصنع أجود أنواع الحرير، فوجدوا غايتهم في (مدينة تنيس) المصرية، التي اشتهرت بالمنتجات الثمينة الرائعة، فصنعوا بها الكسوة الفاخرة من الحرير الأسود على أيدي أمهر النساجين، وكانت لها قريتان (تونة وشطا) اشتهرتا أيضاً بصنع التطريز. وقد حج المهدي العباسي عام 160هـ، فذكر له سدنة الكعبة أن الكسا، كثرت على الكعبة والبناء ضعيف ويخشى عليه أن يتهدم من كثرة ما عليه، فأمر بتجريدها مما عليها وألا يسدل عليها إلا كسوة واحدة، وهو المتبع إلى الآن. ثم أمر فطلي البيت كله بالخلوق الغالية والمسك والعنبر. وبعد عامين أمر المهدي بصنع كسوة أخرى للكعبة المشرفة في تنيس بمصر. أما هارون الرشيد فقد أمر بصنع الكسوة من طراز تونة سنة (190هـ) وكانت الكعبة تكسى مرتين. أما الخليفة المأمون (206هـ)، فقد كسا الكعبة المشرفة ثلاث مرات في السنة. الأولى: من الديباج الأحمر. وتكسى الكعبة بها يوم التروية.الثانية: من القباطي. وتكسى غرة رجب.الثالثة: من الديباج الأبيض وهذه التي استحدثها المأمون يوم السابع والعشرين من شهر رمضان المبارك.ولما رفع الأمر للخليفة العباسي جعفر المتوكل، بأن إزار الديباج الأحمر يبلى قبل حلول شهر رجب من مس الناس وتمسحهم بالكعبة، أمر بإزارين آخرين يضافان إلى الإزار الأول، ثم جعل في كل شهرين إزاراً، ثم كساها الناصر العباسي ثوباً أخضر ثم ثوباً أسود. ومن ذلك التاريخ احتفظ باللون الأسود للكسوة إلى يومنا هذا.كما ظهرت الكتابة على كسوة الكعبة المشرفة منذ بداية العصر العباسي فكان الخلفاء من الأمراء يكتبون أسماءهم على الكسوة ويقرنون بها اسم الجهة التي صنعت بها وتاريخ صنعها، كما هي العادة الجارية إلى اليوم.
كسوة الكعبة في عصر المماليك
بعد سقوط الدولة العباسية عام 656هـ كان أول من كساها من ملوك مصر المملوكية الظاهر بيبرس البندقداري. واستمرت الكسوة ترد من مصر حيناً ومن اليمن حيناً آخر، حتى عهد الملك الصالح إسماعيل بن ناصر بن قلاوون، الذي اشترى عام 750هـ ثلاث قرى هي بيسوس وسندبيس وأبو الغيط، من قرى القليوبية ودفع ثمنها من بيت مال المسلمين، ثم وقفها على كسوة الكعبة المشرفة. ومن الملاحظ أن الكعبة المشرفة كانت تكسى في العصور الماضية مرة أو مرتين في السنة، ولكن منذ القرن السادس الهجري أصبحت تكسى مرة واحدة، وذلك في صباح يوم النحر من كل عام، ويرجع السبب في ذلك إلى تطوير فن النسيج. وأصبح قوياً من حيث المتانة حتى أنه لا تحتاج الكعبة معه أكثر من كسوة واحدة في السنة.
كسوة الكعبة في العصر العثماني
بعد أن بسط السلطان سليم الأول سيطرته على بلاد الشام، ودخل القاهرة في شهر محرم 923هـ، ودخل الحجاز سلمياً في حوزة الدولة العثمانية، كان من دواعي فخره واعتزازه أن يلقب نفسه بخادم الحرمين الشريفين. ومن ثم اهتم أثناء إقامته في مصر بإعداد كسوة الكعبة المشرفة وكسوة لضريح الرسول صلى الله عليه وسلم، وكسوة لمقام إبراهيم عليه السلام كما صنع كسوة للمحمل جديدة، وكتب اسمه عله هذا الكسا التي بلغت غاية الإتقان والزخرفة. ومنذ تلك الآونة ظلت كسوة الكعبة المشرفة ترسل سنوياً من مصر من ريع الوقف الذي وقفه الملك الصالح إسماعيل، إلى أن كان عهد السلطان سليمان القانوني، فوجد أن ريع هذا الوقف قد ضعف وعجز عن الوفاء، فأمر بشراء سبع قرى إضافة إلى الثلاث السابقة عام 947هـ، لتصبح عشر قرى، ينفق من ريعها على الكسوة الشريفة، فأصبح وقفاً عامراً فائقاً مستمراً. وذلك من أعظم مزايا السلاطين العثمانيين لأن مكة كانت لها مكانة، خاصة في نفوسهم، فكانوا ينتهزون أي فرصة للتعبير عن محبتهم واحترامهم للأمراء وأهل مكة، بوصفهم منتسبين إلى آل البيت. استمرت مصر في إرسال الكسوة والمحمل إلى مكة المكرمة حتى عام 1221هـ. إلا أنه في العام الثاني، كان المد السعودي على مكة المكرمة في عهد الإمام سعود الكبير، فتقابل مع أمير المحمل المصري وأنكر عليه البدع، التي تصحب المحمل من طبل وزمر وخلافه، وحذره من معاودة المجيء إلى الحج بهذه الصورة، فتوقفت مصر عن إرسال الكسوة الخارجية، فكساها الأمير سعود الكبير كسوةً من القز الأحمر، ثم كساها بعد ذلك بالديباج والقيلان الأسود، من غير كتابة. وجعل إزارها وكسوة بابها (البرقع) من الحرير الأحمر المطرز بالذهب والفضة. وبعد سقوط الدرعية على يد جنود محمد علي باشا، وعودة السيادة العثمانية على الحجاز استأنفت مصر إرسال الكسوة في عام 1228هـ، في إطار جديد، وهو الصرف على شؤون الكسوة من الخزانة المصرية مباشرة بعد أن كان ينفق عليها من أوقاف الحرمين الشريفين. ولكن الخديوي محمد علي باشا حل ذلك الوقف، وادخل إيراداته الخزانة المصرية. وقد ترتب على ذلك أن أصبحت الظروف السياسية وطبيعة العلاقات مع حكومة مصر والسلطات الحاكمة في الحجاز تؤثران إلى حد كبير في إرسال الكسوة من مصر أو توقفها.
كسوة الكعبة في العهد السعودي
ظلت كسوة الكعبة المشرفة ترسل إلينا من مصر عبر القرون، باستثناء فترات زمنية قصيرة ولأسباب سياسية، إلى أن توقف إرسالها نهائياً من مصر سنة 1381هـ. حيث اختصت المملكة العربية السعودية بصناعة كسوة الكعبة المشرفة إلى يومنا هذا. والجدير بالذكر أن اهتمامها بصناعة الكسوة يرجع إلى ما قبل عام 1381هـ أي منذ عام 1345هـ، وذلك حين توقفت مصر عن إرسال الكسوة بعد حادثة المحمل الشهيرة في العام السابق 1344هـ. فلما كان عام 1345هـ، وحان وقت مجيء الكسوة الشريفة من مصر، منعت الحكومة المصرية إرسال الكسوة المعتادة للكعبة المعظمة مع عموم العوائد مثل الحنطة والصرور وما شاكل ذلك، التي هي من أوقاف أصحاب الخير إلى أهل الحرمين منذ مئات السنين. ولم تملك منها الحكومة المصرية شيئاً سوى النظارة عليها لأنها الحاكمة على البلاد. ولم تشعر الحومة السعودية بذلك إلا في غرة ذي الحجة من السنة المذكورة، عندئذ أمر الملك عبد العزيز آل سعود (طيب الله ثراه) بعمل كسوة للكعبة المشرفة، بغاية السرعة. وعملت كسوة من الجوخ الأسود الفاخر مبطنة بالقلع القوي، ولم يأت اليوم الموعود لكسوة الكعبة المشرفة، وهو يوم النحر العاشر من ذي الحجة من عام 1345هـ، إلا والكعبة المعظمة قد ألبست تلك الكسوة التي عملت في بضعة أيام. وفي مستهل شهر محرم 1346هـ، أصدر الملك عبد العزيز، أوامره بإنشاء دار خاصة بصناعة الكسوة، وأنشئت تلك الدار بمحلة أجياد أمام دار وزارة المالية العمومية بمكة المكرمة، تمت عمارتها في نحو الستة الأشهر الأولى من عام 1346هـ، فكانت هذه الدار أول مؤسسة خصصت لحياكة كسوة الكعبة المشرفة بالحجاز منذ كسيت الكعبة في العصر الجاهلي إلى العصر الحالي. وأثناء سير العمل في بناء الدار كانت الحكومة السعودية تقوم من جانب آخر، ببذل الجهود لتوفير الإمكانيات اللازمة للبدء في وضع الكسوة والتي تتألف من المواد الخام اللازمة لمصنع الكسوة من حرير ومواد الصباغة، ومن الأنوال التي ينسج عليها القماش اللازم لصنع الكسوة، وقبل كل ذلك. وبعده العمل الفنيين اللازمين للعمل في شتى المراحل. وعلى الرغم من أن هذه العناصر الأساسية التي يجب توفرها لمصنع الكسوة، لم يكن أي منها متوفراً لدى المملكة حين ذلك، فقد بذلت الحكومة السعودية جهوداً كبيرة في سبيل توفيرها في الوقت المناسب وقد تحقق لها ذلك. حيث تم بناء المصنع الجديد من طابق واحد في ستة أشهر. وفي أول رجب من نفس العام 1346هـ، وصل من الهند إلى مكة المكرمة اثنا عشر نولاً يدوياً، وأصناف الحرير المطلوبة ومواد الصباغة اللازمة بذلك والعمال والفنيون اللازمون وكان عددهم ستين عاملاً، أربعون منهم من (المعلمين) الذين يجيدون فن التطريز على الأقمشة، وعشرون من العمال المساعدين. وعند حضورهم إلى مكة المكرمة نصبت الأنوال و وزعت الأعمال وسار العمل على قدم وساق في صنع الكسوة وتطريزها، حتى تمكنوا من إنجازها في نهاية شهر ذي القعدة عام 1346هـ. والجدير بالذكر أن تلك الكسوة صنعت على غرار الكسوة المصرية، فكانت على أحسن صورة من حسن الحياكة وإتقان الصنع وإبداع التطريز، يزينها الحرير الأسود الذي نقشت عليه (لا إله إلا الله محمد رسول الله) على شكل رقم (8) وفي أسفل التجويف (يا الله) وفي الضلع الأيمن من أعلى الرقم (8) (جل جلاله) وكذلك في أعلى الضلع الأيسر (جل جلاله). أما الحزام فكان عرضه مثل عرض الحزام الذي كان يعمل في مصر، مطرزاً بالقصب الفضي المموه بالذهب. أما تلك الكتابات التي كتبت على الحزام فهي نفس الآيات القرآنية التي كانت تكتب على حزام الكسوة المصرية في جميع جهاتها باستثناء الجهة الشمالية المقابلة لحجر إسماعيل عليه السلام، حيث كتب على الحزام من تلك الجهة، العبارة التالية (هذه الكسوة صنعت في مكة المباركة المعظمة بأمر خادم الحرمين الشريفين جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود ملك المملكة العربية السعودية). وأما البرقع (ستارة باب الكعبة المشرفة) فقد صنع أيضاً على غرار البرقع المصري وكتبت عليه نفس الآيات القرآنية والعبارات التي كانت تكتب على برقع الكسوة المصرية، باستثناء المستطيلات الأربعة التي تتوسط البرقع والتي كان يكتب عليها عبارة الإهداء في الكسوة المصرية، حيث استبدل بها قوله تعالى: (وقل جاء الحق وزهق البطل إن البطل كان زهوقاً – وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً) (سورة الإسراء: 81-82) ثم أضيفت في ذيل البرقع دائرتان صغيرتان مكتوب في داخلهما عبارة: (صنع بمكة المكرمة سنة). وقد كسيت الكعبة المشرفة في ذلك العام 1346هـ، بهذه الكسوة التي تعتبر أول كسوة للكعبة تصنع في مكة المكرمة، و ظلت دار الكسوة بأجياد تقوم بصناعة الكسوة الشريفة منذ تشغيلها في عام 1346هـ، واستمرت في صناعتها حتى عام 1358هـ. ثم أغلقت الدار، وعادت مصر بعد الاتفاق مع الحكومة السعودية إلى فتح أبواب صناعة الكسوة بالقاهرة سنة 1358هـ، وأخذت ترسل الكسوة إلى مكة المكرمة سنوياً حتى عام 1381هـ. ولاختلاف وجهات النظر السياسية بين مصر والدولة السعودية، توقفت مصر عن إرسال الكسوة الشريفة منذ ذلك التاريخ. وقامت الدولة السعودية بإعادة فتح وتشغيل مبنى تابع لوزارة المالية بحي جرول، يقع أمام وزارة الحج والأوقاف سابقاً، والذي أسندت إليه إدارة المصنع، ولم يكن لديها وقت لبناء مصنع حديث. وقد ظل هذا المصنع يقوم بصنع الكسوة الشريفة إلى عام 1397هـ. حيث نقل العمل في الكسوة إلى المصنع الجديد، الذي تم بناؤه في أم الجود بمكة المكرمة، ولازالت الكسوة الشريفة تصنع به إلى يومنا هذا.
المصدر : http://factory.alharamain.gov.sa/
