يرجع تاريخ تأسيس مكة إلى أكثر من ٢٠٠٠ سنة قبل الميلاد، وكانت في بدايتها عبارة عن قرية صغيرة تقع في واد جاف تحيط بها الجبال من كل جانب، ثم بدأ الناس في التوافد عيها والاستقرار بها في عصر النبي إبراهيم عليه السلام والنبي إسماعيل عليه السلام،
وذلك بعدما ترك النبي إبراهيم عليه السلام زوجته هاجر وابنه إسماعيل في هذا الوادي الصحراوي الجاف، وذلك امتثا ًلا لأمر الله، وبقيا في الوادي حتى ت ّفجر بئر زمزم، ثم وفدت بعد ذلك أولى القبائل التي سكنت مكة وهي قبيلة جرهم ، وقد بدأت خلال تلك الفترة بناء الكعبة المشرفة على يد النبي إبراهيم عليه السلام وابنه إسماعيل عليه السلام. وقد حرم الله مكة على غير المسلمين بعد العام التاسع من الهجرة في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).
وهذا المسجد حول الكعبة له أحكام عظيمة: تضاعف فيه الصلوات، كل صلاة مشروعة في المسجد تضاعف فيه أكثر من مائة ألف، لمن أخلص لله، فصلاة الفريضة، وتحية المسجد، ركعتا الطواف، صلاة الجنازة، صلاة العيدين، والكسوف، كل بلدن العالم السنة في صلاة العيد أن يخرجوا إلى صحراء قريبة من البلد، إلا مكة، قال الشافعي -رحمه الله-: “يصلون في الحرم في المسجد الحرام، ولا يخرجون إلى صحراء قريبة من البلد.” الدائرة الثالثة: دائرة الحرم نفسه، الحرم الذي حرمه الله، فلا يجوز الصيد فيه، ولا تنفير الصيد، تخويف حمامة، لا يجوز قتل جرادة، لا يجوز؛ لأن الجراد من الصيد، قلع شجر الحرم، لا يجوز، لقطة الحرم، لا تلتقط إلا لمعرف، ولا يجوز تملكها أب ًدا، وإذا ما وجد صاحبها فلبيت مال المسلمين، له أحكام عظيمة هذا الحرم، وليس بمسافات واحدة من الكعبة، فأقرب نقطة من الحل إلى الكعبة: التنعيم، ستة كيلو تقري ًبا، والجعرانة، شر ًقا ستة عشر كيلو. والشميسي، غرًبا جهة جدة خمسة عشر كيلو، وادي نخلة، جهة الطائف أربعة عشر كيلو، وهكذا، هذا الحرم له علامات، هذا الحرم لا يدخله مشرك، لا خادمة، ولا غيرها، قال الله – تعالى-:ِ { إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا }]التوبة:٢٨[. والمقصود منطقة الحرام. الدائرة التي بعدها: دائرة المواقيت، ليس أي أحد في العالم يريد أن يأتي بحج أو عمرة، يأتي كما هو، لا يقترب من مكة أصلا إلا وهو في قمة التواضع، كاش ًفا رأسه، متجر ًدا من المخيط، بلا طيب، يلبس الرداء والإزار، يذكرانه بالآخرة، وما يخرجه به من الدنيا الكفن، من أين؟ من المواقيت، من بعيد. أقرب ميقات: قرن المنازل، ميقات أهل نجد ثمانية وسبعين كيلو تقري ًبا، أبعد ميقات: ذو الحليفة، ميقات المدينة أربعمائة كيلو تقري ًبا، ميقات الجحفة: ويحرم الناس من رابغ مائة وستة وثمانين كيلو تقري ًبا، ميقات يلملم: لأهل اليمن والجنوب مائة وعشرين كيلو تقري ًبا. وهكذا، المواقيت ليست على مسافة واحدة من الكعبة أيضًا، ولكنها الدائرة بعد الحرم، وبعد ذلك كل أنحاء العالم، قال الله -تعالى-: { وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ }]البقرة: ١٥٠.] فيجب على كل الناس في العالم إذا صلوا إلى الكعبة، ولا يجوز استقبال القبلة ولا استدبارها ببول ولا غائط، وقال صلى الله عليه وسلم: من تفل تجاه القبلة جاء يوم القيامة تفله بين عينيه]رواه أبو داود: ٣٨٢٦، وصححه الألباني في صحيح الجامع: ٦١٦٠[. قال بعض العلماء: هو في الصلاة، وقال بعضهم، كما قال النووي: حتى خارج الصلاة، جهة القبلة والكعبة محترمة جدًا في الشريعة.
١-أن يشكر الله بقلبه ولسانه وجوارحه ٢-يكثر من الحمد والثناء على الله ٣-يسخر جوارحه لطاعة الله ٤- خدمة ضيوف الرحمن من تطويف كبار السن أو إرشاد التائه أو العناية بمرضى الحجاج والكثير من الخدمات.
٥- عند الدخول والخروج من المسجد الحرام: روى الإمام أحمد في “مسنده ” وأصحاب “السنن” عن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: }إذا دخل أحدكم المسجد فليقل بسم الله والصلاة والسلام على وسول الله اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك. وإذا خرج قال: بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك{.
” زمزم .. الماء المبارك ” وثائقي من إنتاج الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي ممثلة في إدارة الإعلام والاتصال يروي الرحلة التاريخية المشرّفة للماء الطهور ومراحل العناية والتطور التي استمرت عبر عصور زمنية مختلفة فكيف كانت البداية؟ وإلى أين وصلت هذه المراحل في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ..
تأثرت ثقافة مكة بثقافات الحجاج و المعتمرين الذين يتوافدون عليها سنوياً و بالتالي فهي تمتلك تراثاً ثقافياً غنياً و نظراً للمكانة المقدسة التي تتمتع بها مكة في العالم الإسلامي فقد أختيرت “عاصمة الثقافة الإسلامية” لعام 2004 . كان للأسواق الأدبية التي أقيمت في مكة قبل الإسلام كمثل سوق عكاظ و سوق مجنة و سوق ذي المجاز أثر عظيم في إثراء لغة أهل مكة وشيوعها وعندما جاء القرآن باللغة العربية ، سادت لهجة أهل مكة , كانت أسواق مكة أيضاَ مجالاً للنشاط الإقتصادي و الإجتماعي و الفكري و تبادل الآراء وعلى مر العصور بعد الإسلام أثر الاختلاط السكاني الذي ساد مكة في لغة أهلها العربية فكثر فيها الدخيل من الألفاظ الفارسية والتركية والهندية والأردو و في العصر الحاضر ونتيجة للحركة التجارية المزدهرة التي تسود موسم الحج يجيد الكثير من أهل مكة العديد من اللغات كالإنجليزية والفارسية والأردو .
مكتبة الحرم المكي الشريف هي مكتبة من المكتبات المهمة في التاريخ الإسلامي، والتي تعد من أقدم المكتبات في العالم الإسلامي ، تضم المكتبة أكثر من 350 ألفًا من أندر الكتب والمخطوطات, وتعتبر مكتبة مكة المكرمة معلما بارزًا وذات أثرا حضاريا في مكة المكرمة، حيث شهدتْ مولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم في مكانها، وتكتسب المكتبة أهميتها التاريخية والحضارية من موقعها واحتوائها على العديد من الكتب والمخطوطات النادرة، بالإضافة لكون من المعلوم أن لإداريين المكتبة جهودا مستمرة في خدمة طلاب العلم والباحثين من شتى بقاع العالم.
إن مما يترك أعظم الأثر في وجدان الغريب الآتي من أقاصي الأرض هو ما يقدمه أهل البلاد المستضيفة من ترحاب وبشاشة وطيب معشر. وإنه لمن سمات المجتمعات المتعددة الأعراق أنها دائما ما تتفاضل على غيرها بقبول الآخر الغريب دون شروط، وهي إذ تحتضنهم وتُذهِب عن كاهلهم عناء الأسفار ووحشة الغربة، فإنها تقدم صورة للتسامح وملمحا من ملامح البيئة المضيافة، وهكذا كانت أم القرى دائما وأبدا، موئلا للتسامح وواحة للتعايش ووطنا لمن لا وطن له. وتلك معان نلمسها في الكثير من مدونات الرحالة الأجانب والمسلمين على مدار القرون الماضية.
فها هو الرحالة المؤرخ المغربي الشهير ابن بطوطة يبدي إعجابه بما عاينه خلال زياراته إلى مكة المكرمة في القرن الثامن الهجري، الرابع عشر الميلادي فيصف أهل مكة بقوله «ومن مكارمهم أنهم متى صنع أحدهم وليمة، يبدأ فيها بإطعام الفقراء والمنقطعين المجاورين، ويستدعيهم بتلطف ورفق وحسن خلق، ثم يطعمهم» ثم يمضي ليظهر إعجابه بمظهرهم وبثيابهم الدائمة النظافة، الناصعة البياض وكثرة استخدامهم للطيب والسواك.
قدم الرحالة الهندي رفيع الدين المراد آبادي إلى الحجاز لدواعي الحج والزيارة في 1201-1202هـ (1787-1788م) ثم ساهم في أدبيات الرحلات الحجازية بكتاب باللغة الفارسية سمي «مشاهدات حرمين» ويحكي أهم انطباعاته عن المجتمع المكي في ذلك الزمان بقوله «يتحلون بالأخلاق الفاضلة، وبحسن المعاملة، فكبار القوم هنا والعلماء يعاملون المسافرين والغرباء معاملة طيبة، تتصف بالتواضع الجم، وحسن الخلق، كأنهم لم يسمعوا عن الغرور والكبر، مع أنهم من العلماء الكبار، ومن أهل الفضل والشرف».
وفي أحد كتب الرحلات الحجازية النادرة لمتعلم هندي آخر يدعى حافظ أحمد حسن وهو كتاب «الحج إلى الكعبة» والذي رافق أمير التونك الهندي (النوّاب) إلى الحج ودون رحلته في 1871م، يقدم حافظ أحمد لمحة يسيرة عن المجتمع المكي بقوله «رغم ما يغلب على مظهر أهل مكة من الغلظة وصعوبة المراس، إلا أن خلف هذا المظهر تتجلى دماثة الأخلاق وكرم الطباع وحسن الضيافة».
أما الرحالة السويسري الشهير يوهان بركهارت الذي مكث في مكة ستة أشهر في فترة حكم محمد علي باشا ابتداء من يوليو 1814م فقد أغرق في الثناء على أهل مكة، رغم قسوته في مواضع أخرى، بقوله «الابتسامة لا تفارق شفاههم في كل مكان، ميالون للمزاح ولكنهم يحترمون بعضهم، يكرمون الغريب ويحسنون ضيافته، ولديهم اعتداد بالنفس».
ولا يختلف المستشرق الهولندي كرستيان سنوك هرخرونيه الذي تسلل إلى مكة متخذا اسم «عبدالغفار» في 1884-1885م وبقي فيها حتى أجلي منها في أغسطس 1885م عن بركهارت في انطباعه عن المكيين الذين عرفهم حق المعرفة بقوله «ويجب أن أؤكد هنا أن الذي يرى أهل مكة خارج موسم الحج، يجدهم عذبي المعشر، مولعين بالمرح، كرماء إلى درجة التبذير، يكرسون جهودهم لحياتهم الاجتماعية، وأن الذي يراقب حياتهم عن كثب يجد بجانب الخشونة والفظاظة التي عند بعضهم، أناسا نبلاء المعشر، كريمي الصفات، أتقياء ذوي ورع وصلاح».
وللمؤرخ المصري لبيب البتنوني الذي زار مكة المكرمة سنة 1327هـ – 1909م برفقة الخديوي عباس حلمي الثاني وصف بديع لنسيج المجتمع المكي المتعدد الأعراق «ومن اختلاط هذه الأجناس بعضهم ببعض بالمصاهرة أو المعاشرة صار سواد أهل مكة خليطا في خَلقهم وخُلقهم، فتراهم قد جمعوا إلى طباعهم وداعة الأناضولي وعظمة التركي واستكانة الجاوي وكبرياء الفارسي ولين المصري وصلابة الشركسي وسكون الصيني وحدة المغربي وبساطة الهندي…»
إنها المدرسة المكية الرائدة في التعايش والتسامح وقبول الآخر دون النظر إلى عرقه وجنسه ومذهبه، فإن النبيل فيها هو من يحسن الجوار، والشريف فيها من يعطف على الفقير ويحسن إلى المسكين ويؤوي الغريب، والوجيه فيها من يسعى في حوائج الناس ويمشي في قضاء شؤونهم دون منة ولا مصلحة. فتراتبية المجتمع المكي هنا ليست فيما توارثه الناس من ألقاب خلعها على أسلافهم السلطان، بل التفاضل في خدمة البيت وزواره وأهله، وتعظيم المكان.